توسع سوق التقنية المالية في السعودية: تحول غير مسبوق
يشهد توسع سوق التقنية المالية في السعودية تحولًا لم يكن متوقعًا قبل عقد من الزمن. فبفضل المبادرات الحكومية السريعة والاستثمارات المتزايدة، قفز عدد شركات الفنتك من 60 شركة في عام 2020 إلى 226 شركة بحلول منتصف 2024، بمعدل نمو سنوي مركب مذهل بلغ 61%. وبالنسبة للمستثمرين ورواد الأعمال، لم تعد المملكة مجرد سوق واعدة، بل أصبحت قوة تنافسية مزدهرة في مجال التقنية المالية.
نمو شركات التقنية المالية في السعودية – المصدر: KPMG
تدفقات رأس المال الجريء: السعودية تتحدى التباطؤ العالمي
في الوقت الذي تراجعت فيه الاستثمارات العالمية في قطاع الفنتك بنسبة 42% خلال عام 2023، برزت السعودية كحالة استثنائية، حيث جذبت 791 مليون دولار من التمويل — بزيادة لافتة بلغت 231% مقارنة بالعام السابق.
وقد ذهب جزء كبير من هذا التمويل إلى شركات الشراء الآن والدفع لاحقًا (BNPL)، مثل تمارا (340 مليون دولار) وتابي (308 ملايين دولار)، ما يعكس شهية السوق السعودية لنماذج التمويل البديلة. وفي الوقت نفسه، شكّل تمويل الديون الجريئة 61% من إجمالي تمويل الديون، ما يدل على تزايد الاهتمام بالاستثمار غير القائم على الملكية.
تمويل التقنية المالية في السعودية حسب مراحل الاستثمار – المصدر: KPMG
ثورة المدفوعات: 70% من المعاملات أصبحت غير نقدية
لم يمض وقت طويل عندما كانت المعاملات النقدية هي السائدة في السعودية، لكن المشهد تغيّر جذريًا. فقد أدت الجهود نحو الاقتصاد غير النقدي إلى وصول معدل استخدام المدفوعات غير النقدية إلى 70%، مقارنة بـ 62% في عام 2021.
وأصبحت المحافظ الرقمية مثل stc pay والإنماء باي أدوات أساسية في الحياة اليومية، في حين يُتوقع أن تتجاوز معاملات التجارة الإلكترونية 13.2 مليار دولار بحلول 2025. ومع تسارع مبادرات الصيرفة المفتوحة، تتوسع الشمولية المالية بوتيرة سريعة، ما يمهد الطريق لاعتماد أوسع لحلول التقنية المالية.
المنشآت الصغيرة والمتوسطة والشمول المالي: سوق في أوج ازدهاره
لطالما واجهت المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية صعوبات في الوصول إلى التمويل، لكن شركات الفنتك تسد هذه الفجوة بسرعة. ففي الربع الأول من عام 2024، ارتفعت عروض التمويل الموجهة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بنسبة 16%، مع توفير 94% من التمويل عبر البنوك السعودية.
وتساعد مبادرات مثل بوابة التمويل التابعة لمنشآت وبرنامج كفالة رواد الأعمال على الوصول إلى مصادر تمويل بديلة، ما يخلق بيئة مالية تتيح للشركات الناشئة التوسع بوتيرة غير مسبوقة. كما شهدت خدمات الشراء الآن والدفع لاحقًا نموًا هائلًا، حيث ارتفع عدد المستخدمين من 76 ألفًا في 2020 إلى أكثر من 10 ملايين في 2024، ما يؤكد أن الإقراض المدفوع بالتقنية المالية يعيد رسم قواعد تمويل الأعمال.
الطريق إلى 2030: مستقبل التقنية المالية مكتوب بالأرقام
تضع استراتيجية التقنية المالية في السعودية أهدافًا طموحة، من بينها الوصول إلى 525 شركة تقنية مالية وتوفير 18 ألف وظيفة جديدة في القطاع بحلول عام 2030. ومن المتوقع أن يتجاوز إجمالي تمويل رأس المال الجريء التراكمي 12.2 مليار دولار، ما يعزز مكانة المملكة كقوة إقليمية رائدة في مجال الفنتك.
ومع مختبر الصيرفة المفتوحة التابع لمؤسسة النقد العربي السعودي (ساما)، وأطر تنظيمية متقدمة للتأمين الرقمي، ونمو قطاع التقنية المالية المناخية، لا تكتفي السعودية بمواكبة الاتجاهات العالمية — بل تسهم في صياغتها.
بالنسبة للمستثمرين والمؤسسين والمؤسسات المالية، تجاوز توسع سوق التقنية المالية في السعودية مرحلة النشوء، ليدخل مرحلة الثورة الرقمية الكاملة. ومع تطور الأطر التنظيمية وازدياد تبني المستهلكين، من المرجح أن تتسم المرحلة المقبلة بالاندماج والابتكار والتكامل الأعمق مع الأسواق المالية العالمية. والزخم واضح، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يصبح توسع الفنتك في السعودية إحدى أبرز قصص النجاح خلال هذا العقد.
اقرأ أيضًا: التحول الرقمي في السعودية: ما التالي؟