تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تحولًا في كيفية عمل سلاسل الإمداد لديها. فبدلاً من الاعتماد الكبير على الواردات، تعمل هذه الدول على بناء أنظمة إنتاج محلية أقوى. ويُعرف هذا التحول باسم توطين سلاسل الإمداد في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو مدفوع بالاضطرابات العالمية، والمخاطر الجيوسياسية، والحاجة إلى الاستقرار الاقتصادي.
اليوم، تعيد الشركات في مختلف أنحاء المنطقة التفكير في استراتيجياتها. في الواقع، يعتقد 79% من المؤسسات أن بناء القدرات المحلية يعزز مرونة سلاسل الإمداد. وهذا يعكس توجهاً واضحاً نحو الاعتماد على الذات.
اقرأ التقرير الكامل لمزيد من الرؤى: فرص تحول سلاسل الإمداد في دول مجلس التعاون الخليجي
في الوقت نفسه، ينمو التبادل التجاري الإقليمي بسرعة. فقد بلغ حجم التجارة السلعية البينية داخل دول المجلس نحو 146 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 9.8% مقارنة بعام 2023. ويعد هذا أعلى مستوى يتم تسجيله في السنوات الأخيرة، ما يعكس تعزز الروابط الاقتصادية داخل المنطقة والتحول نحو شبكات إمداد داخلية.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات. إذ يشير نحو 36% من الشركات إلى أن الوصول إلى المواد الخام يمثل التحدي الأكبر. وهذا يوضح أنه رغم نمو التوطين، لا يزال الاعتماد على المدخلات المستوردة يشكل عائقاً.
التصنيع المحلي يقود النمو الاقتصادي
أصبح التصنيع المحلي محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي. وتستثمر الحكومات بشكل نشط في تطوير القطاع الصناعي للحد من الاعتماد على الواردات وتعزيز الصادرات.تُعد الإمارات العربية المتحدة مثالاً بارزاً، حيث بلغت صادراتها الصناعية 53.7 مليار دولار في عام 2024، مسجلة زيادة بنسبة 68% منذ عام 2020. ويعود هذا النمو إلى مبادرات مثل “اصنع في الإمارات”، ما يبرز كيف يمكن للإنتاج المحلي تعزيز القدرة التنافسية العالمية.
كما تحقق المملكة العربية السعودية تقدماً ملحوظاً. فقد وصلت نسبة المحتوى المحلي في قطاع النفط والغاز إلى 65.5% في عام 2024، لتقترب من تحقيق مستهدفات رؤية 2030، ما يدل على توجه قوي نحو الاحتفاظ بقيمة أكبر داخل الاقتصاد المحلي.
كما يتوسع دور قطاع التصنيع في الاقتصاد. ففي الإمارات، بلغ إسهام التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي 57.3 مليار دولار، وهو في طريقه لتجاوز الأهداف طويلة الأجل. ويزداد وضوح هذا الاتجاه في مختلف دول المجلس.
تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز مساهمة الناتج المحلي الإجمالي
لا يقتصر التحول نحو توطين سلاسل الإمداد على الإنتاج فقط، بل يشمل أيضاً إعادة هيكلة الاقتصاد.يسهم قطاع التصنيع حالياً بنسبة 12.7% من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس، بقيمة تقارب 295.1 مليار دولار، ليصبح ثاني أكبر قطاع بعد النفط، ما يمثل خطوة مهمة نحو تنويع الاقتصاد.
كما يشهد الاقتصاد السعودي تحولاً ملحوظاً، حيث تمثل القطاعات غير النفطية الآن 53.2% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس تقليص الاعتماد على الهيدروكربونات. ويلعب التصنيع المحلي دوراً محورياً في هذا التحول.
وتستفيد قطاعات أخرى أيضاً من هذا التوجه. فقد بلغت نسبة توطين الصناعات العسكرية في السعودية 19.35%، متجاوزة الأهداف المخططة. وفي الوقت نفسه، أطلقت قطر استراتيجيتها الوطنية للتصنيع (2024–2030)، مع التركيز على قطاعات مثل الأدوية والرعاية الصحية كبدائل للواردات.
وتوضح هذه الجهود نمطاً واضحاً؛ إذ لا تكتفي دول المجلس بزيادة الإنتاج المحلي، بل تعمل أيضاً على بناء منظومات صناعية متكاملة.
تحول هيكلي نحو اقتصاد إقليمي أكثر مرونة
يسهم توطين سلاسل الإمداد في دول مجلس التعاون الخليجي في بناء اقتصاد إقليمي أكثر ترابطاً ومرونة. حيث تتزايد التجارة البينية، ويتوسع الإنتاج المحلي، وتنخفض مستويات التعرض للاضطرابات العالمية.ويعكس نمو التجارة داخل دول المجلس تعزيز التكامل الإقليمي، في حين يشير توسع قطاع التصنيع إلى تحول هيكلي طويل الأمد، وليس مجرد استجابة قصيرة المدى، بل تحول استراتيجي شامل.
ومع ذلك، سيعتمد النجاح على معالجة التحديات الرئيسية، وفي مقدمتها توفير المواد الخام. إذ إن بناء سلاسل إمداد متكاملة داخل المنطقة يتطلب وقتاً واستثمارات كبيرة.
بشكل عام، فإن الاتجاه واضح؛ إذ تتجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو نموذج اقتصادي أكثر توازناً واعتماداً على الذات، مدفوعاً بالإنتاج المحلي، وتعزيز الروابط التجارية، ونمو قطاع التصنيع.