رؤية 2030 تحفّز تحليل تنويع الصناعة السعودية
في صميم رؤية السعودية 2030 تكمن طموحات جريئة: تقليل الاعتماد على الهيدروكربونات وبناء قاعدة صناعية تنافس عالمياً. فهي ليست مجرد إطار سياساتي، بل مخطط وطني للتحول— وقد بدأت ملامحه تظهر بالفعل من خلال 40 مدينة صناعية واستهداف 36,000 مصنع بحلول عام 2035. وخلف هذه الأرقام تقف استراتيجية شاملة تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي للمملكة قطاعاً بعد قطاع.
وتقود هذا التحول وزارة الصناعة والثروة المعدنية عبر التخطيط الصناعي والتنظيم والحوافز على مستوى المملكة؛ بما يعزز تموضع السعودية كدولة منتجة ومبتكرة ومُصدّرة في قطاعات متعددة.
في هذا المقال، نستعرض البيانات والدوافع والقرارات التي تقف وراء هذا التحول.
الصناعات غير النفطية تنمو 4.7% وتدفع زخم التنويع
في الربع الثاني من عام 2025، نمت الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.7% على أساس سنوي، وساهمت بنحو 2.7 نقطة مئوية من إجمالي نمو الناتج المحلي للمملكة البالغ 3.9%. ويعكس هذا الارتفاع نجاح جهود تنويع الصناعة السعودية، حيث تقود قطاعات مثل التصنيع والسياحة وتجارة التجزئة والخدمات المالية هذا الزخم.
كما بدأت تتشكل عناقيد متخصصة في الطيران والسيارات الكهربائية ومعالجة الأغذية كرافعات نمو جديدة، مدعومة بتطوير البنية التحتية والشراكات العالمية.
استثمارات بقيمة 5.3 مليار دولار في عنقود الأغذية تشير إلى فرص متوسعة
يفتح التنويع الصناعي في السعودية آفاقاً استثمارية جديدة. فقد استقطب عنقود صناعة الأغذية في جدة وحده استثمارات أجنبية بقيمة 5.3 مليار دولار، ويضم 75 مصنعاً على مساحة 11 مليون متر مربع.
وفي الخرج، حقق عنقود الألبان—المسؤول عن أكثر من 70% من الإنتاج الوطني—صادرات بقيمة 1.28 مليار دولار في عام 2024. وفي الوقت نفسه، يستقطب مجمع السيارات الكهربائية في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية (KAEC) شركات عالمية لتوطين الإنتاج وبناء سلاسل إمداد متكاملة.
وبعيداً عن الأغذية والتنقل، تعزز مراكز التعدين مثل رأس الخير والمدن البتروكيماوية مثل الجبيل وينبع العمق الصناعي للمملكة. وترتبط هذه المناطق بشكل استراتيجي بالموانئ والسكك الحديدية، ما يتيح وصولاً سلساً إلى الأسواق العالمية.
الحوافز والبنية التحتية تدفع تنويع الصناعة السعودية
يكشف تحليل تنويع الصناعة السعودية عن منظومة قوية من الدعم السياساتي والحوافز. إذ توفر مدن (الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية - MODON) مصانع جاهزة، ومستودعات مشتركة، وتراخيص مبسطة.
كما تستفيد العناقيد الاستراتيجية من القرب من موانئ متقدمة مثل ميناء الملك عبدالله وميناء جدة الإسلامي، إلى جانب شبكات سكك حديدية مثل سكة الحديد الشمالية-الجنوبية والجسر البري السعودي المرتقب.
ويتجلى التزام الحكومة بالتوطين ونقل التقنية والإنتاج ذي القيمة المضافة في مبادرات مثل أيرو بارك ون في جدة—وهو عنقود للطيران بمساحة 1.2 مليون متر مربع يركز على أنظمة الدفاع وتقنيات الفضاء.
إدارة المخاطر: البنية التحتية والمهارات والرياح الاقتصادية العالمية
رغم قوة الزخم، يوضح تحليل تنويع الصناعة السعودية أن التحول ما زال بحاجة إلى معالجة تحديات رئيسية. ويظل تطوير المواهب أولوية، خاصة في القطاعات عالية التقنية. وتستثمر المملكة في التدريب المهني ومراكز البحث والتطوير، لكن سد فجوات المهارات سيستغرق وقتاً.
كما تشكل تقلبات الاقتصاد العالمي واضطرابات سلاسل الإمداد مخاطر محتملة. وللتخفيف منها، تعمل السعودية على بناء مرونة إضافية في أنظمة الخدمات اللوجستية وتنويع مسارات التجارة. وتأتي الاستدامة البيئية ضمن الأولويات أيضاً، مع تبني العناقيد تصاميم موفرة للطاقة ونماذج إنتاج دائرية.